السيد كمال الحيدري
54
منطق فهم القرآن (الأسس المنهجية للتفسير والتأويل في ضوء آية الكرسي)
نَفِدَتْ كَلِمَاتُ اللهِ إِنَّ اللهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ ( لقمان : 27 ) . ولا ريب أنَّ كلَّ عالم الإمكان ينتهي إلى الذات المُقدَّسة ، وهو محلّ وفاق الجميع ، وإن اختلفوا بين مُنكر لفكرة الواسطة وبين من يقبلها علّةً مُؤثّرة غير أنها مُسخَّرة ، وبين من يقبلها ولكن لا على نحو العلّية ، وذلك لانحصار العلّية بالله تعالى ، فيُفسِّر الواسطة بشرطية قابلية القابل ، وبين من يقبل أنَّ حقيقة الخلق وجود ، ومن يحصر الوجود به تعالى فيُفسِّر الخلق بأنه مظهر . ولكن إذا ضممنا إلى فكرة الخلق - أيّاً كانت حقيقته - قانونَ السنخية « 1 »
--> ( 1 ) ولتتميم الفائدة هنا ينبغي بيان المراد من السنخية تصوّراً ، وبيان الدليل عليها تصديقاً . فاعلم أنَّ من أهمّ القوانين التي تتفرَّع على قانون العلّية العامّ هو قانون السنخية بين العلّة والمعلول ، ومراد الحكماء من ذلك هو : ( أنَّ العلل الخاصّة تنتج معلولات خاصّة ، وليس كلّ علّة يُمكن أن تنتج أيَّ معلول ، بل هنالك خصوصيات في العلل والمعلولات التي ينتج بعضها من بعض ) . انظر : أُصول الفلسفة والمنهج الواقعي ، للسيد العلامة محمد حسين الطباطبائي : ج 2 ، ص 233 . وببيان آخر ينسجم مع مباني مدرسة الحكمة المُتعالية القائمة على أصالة الوجود وتشكيكه : إنه يعني وجود رابطة ذاتية يصير بها وجود الفعل ، كأنه مرتبة نازلة من وجود فاعله ووجود الفاعل كأنه مرتبة عالية من وجود فعله . وأما الدليل الذي اعتمدوه في ذلك ، فهو : إنه لو لم يكن بين الفعل المعلول وعلّته الفاعلة له مناسبة ذاتية وخصوصية واقعية بها يختصّ أحدهما بالآخر ، كانت نسبة الفاعل إلى فعله كنسبته إلى غيره كما كانت نسبة الفعل إلى فاعله كنسبته إلى غيره ، فلم يكن لاستناد صدور الفعل إلى فاعله معنى ، ونظير البرهان يجري في المعلول بالنسبة إلى سائر العلل ويثبت الرابطة بينه وبينها ، غير أنَّ العلّة الفاعلة لما كانت هي المقتضية لوجود المعلول ومعطي الشيء غير فاقده ، كانت العلّة الفاعلة واجدة لكمال وجود المعلول ، والمعلول ممثّلًا لوجودها في مرتبة نازلة . وهذا المعنى يُمكن استفادته من التدبّر في الآيات القرآنية أيضاً ، فإنَّ التدبّر فيه لا يدع ريباً / / في أن القرآن الكريم يعدّ الأشياء على اختلاف وجوهها وتشتّت أنواعها آيات له تعالى دالّة على أسمائه وصفاته . فما من شيء إلا وهو آية في وجوده وفي أيّ جهة مفروضة في وجوده له تعالى مشيرة إلى ساحة عظمته وكبريائه ، والآية وهي العلامة الدالّة من حيث إنها آية ، وجودها مرآتي ؛ فإنَّ في ذي الآية الذي هو مدلولها غير مستقلّة دونه ؛ إذ لو استقلّت في وجوده أو في جهة من جهات وجوده لم تكن من تلك الجهة مشيرة إليه دالّة عليه آية له ، وهذا خلف . فإنَّ الأشياء بما هي مخلوقة له تعالى أفعاله ، وهي تحاكي بوجودها وصفات وجودها وجوده سبحانه وكرائم صفاته ، وهو المراد بمسانخة الفعل لفاعله لا أن الفعل واجد لهوية الفاعل مماثل لحقيقة ذاته ، فإن الضرورة تدفعه . انظر : الميزان في تفسير القرآن : ج 13 ، ص 194 . وبما ذكرناه يتّضح التأمّل فيما أورده بعض الأعلام المعاصرين ، حيث يقول بأنَّ : ( المعروف بين جمع من الفلاسفة لزوم السنخية بين العلّة والمعلول ، فالمُباين من كلّ جهة لا يُمكن أن يصير علّة للمُباين كذلك ، كما أنَّ المُباين من كلّ جهة لا يصدر من المُباين كذلك ، وبنوا عليه مباحث فلسفية وعرفانية ، ولكن ظاهر قوله تعالى : ربّ العالمين ، وغيره من الآيات المباركة - الكثيرة التي يأتي بيانها - ينفي ذلك ، فإنَّ موجد العوالم ومُربِّيها لا سنخية بينه وبينها ، إذ لا سنخية بين الممكن بالذات والفقير المحض وبين الواجب بالذات والغني المطلق كذلك ) . انظر : مواهب الرحمن في تفسير القرآن ، تأليف فقيه عصره آية الله العظمى السيد عبد الأعلى الموسوي السبزواري : ج 1 ، ص 72 . فإنه لو انتفت السنخية بينه تعالى وبين خلقه لزم - حتى مع الإيمان بقانون العلّية العامّ الدالّ على عدم وقوع حادثة بلا سبب - جواز صدور أيّ شيء من أيِّ شيء ، وفي هذه الحالة سوف لا يظهر لنا العالم بصورة نظام معيّن ، وإن لم يظهر لنا بصورة موجودات منفصلة ومنفردة ، مضافاً إلى ما تقدَّم من أنه لا يُمكن الاستدلال بهذه الموجودات على إثبات كرائم صفاته سبحانه . منه ( دام ظله ) . .